محمد بن وليد الطرطوشي
100
سراج الملوك
ولما حضرت هشام بن عبد الملك « 1 » الوفاة : نظر إلى أهله يبكون حوله ، فقال : جادلكم هشام بالدنيا ، وجدتم له بالبكاء ، وترك لكم ما جمع وتركتم عليه ما حمل ، ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له . ودخل على المأمون « 2 » في مرضه الذي مات فيه ، فإذا هو قد أمر أن يفرش له جلّ الدابة ، ويبسط عليه الرماد وهو راقد عليه يتضرّع ويقول : يا من لا يزول ملكه ، ارحم من قد زال ملكه . وروي أن أبا بكر الصدّيق « 3 » رضي الله عنه ، مرّ على طائر واقع على شجرة ، فقال : طوبى لك يا طائر ، تطير فتقع على الشجر ، وتأكل من الثمر ، وليس عليك حساب ولا عقاب ، يا ليتني كنت مثلك ، والله لوددت أني شجرة إلى جنب طريق ، فمر عليّ بعير ، فأخذني فلاكني ، ثم ازدردني ، ثم أخرجني بعرا ، ولم أكن بشرا . وقال عاصم بن عبيد الله « 4 » : أخذ عمر بن الخطاب رضي الله عنه تبنة من الأرض ، فقال : يا ليتني كنت مثل هذه التبنة ، يا ليتني لم تلدني أمي ، يا ليتني كنت نسيا منسيا . وقال ابن مسعود « 5 » : وددت أني طائر في منكبي ريش .
--> ( 1 ) هشام بن عبد الملك : الخليفة الأموي العاشر ، أخو يزيد الثاني وخلفه ، في عهده بلغت الدولة الإسلامية أقصى اتساعها حيث وقعت في عهده معركة « بلاط الشهداء » على أبواب فرنسا ، توفي سنة 125 ه . ( الأعلام : 8 / 86 ) . ( 2 ) المأمون : عبد الله بن هارون الرشيد ، الخليفة العباسي ومن كبار الخلفاء العباسيين ، أمّه فارسية جارية ، قتل أخاه الأمين وخلفه وعني بالآداب والعلوم ، فهو الذي أنشأ بيت الحكمة في بغداد ، ناصر المعتزلة وامتحن الناس في مسألة خلق القرآن ، مات سنة 218 ه . وخلفه أخوه المعتصم . ( الأعلام : 4 / 142 ) . ( 3 ) أبو بكر الصديق : عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن كعب التميمي القرشي ، أول الخلفاء الراشدين ، وأول من آمن برسول الله من الرجال ، لقّب بالصديق لتصديقه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في خبر الإسراء ، وفي كل أخباره ، توفي سنة 13 ه . ( الأعلام : 4 / 102 ) . ( 4 ) عاصم بن عبيد الله : عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، من رواة الحديث ، قال ابن حجر أنه « ضعيف » ، مات سنة 132 ه . ( تهذيب التهذيب / ابن حجر / 5 / 42 ) . ( 5 ) عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي ، من أكابر الصحابة ، فضلا وعلما وعقلا وقربا من رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، توفي سنة 32 ه . ( الأعلام 4 / 137 ) .